محمد الريشهري
2159
ميزان الحكمة
والدليل على أن النفس التي هي حقيقة الإنسان محفوظة عند الله مع تفرق أجزاء البدن وفساد صورته قوله تعالى : * ( وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ) * ( 1 ) حيث استشكلوا في المعاد بأنه تجديد للخلق بعد فناء الإنسان بتفرق أجزاء بدنه ، فأجيب عنه بأن ملك الموت يتوفى الإنسان ويأخذه تاما كاملا فلا يضل ولا يتلاشى ، وإنما الضال بدنه ولا ضير في ذلك ، فإن الله يجدده . والدليل على أن الإنسان المبعوث هو عين الإنسان الدنيوي لا مثله : جميع آيات القيامة الدالة على رجوع الإنسان إليه تعالى وبعثه وسؤاله وحسابه ومجازاته بما عمل . فهذا كله يشهد على أن المراد بالمماثلة ما ذكرناه ، وإنما تعرض لأمر البدن حتى ينجر إلى ذكر المماثلة محاذاة لمتن ما استشكلوا به من قولهم : * ( أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا ) * فلم يضمنوا قولهم إلا شؤون البدن لا النفس المتوفاة منه ، وإذا قطع النظر عن النفس كان البدن مماثلا للبدن ، وإن كان مع اعتبارها عينا . وذكر بعضهم : أن المراد بمثلهم نفسهم ، فهو من قبيل قولهم : مثلك لا يفعل هذا ، أي أنت لا تفعله . وللمناقشة إليه سبيل . والظاهر أن العناية في هذا التركيب أن مثلك - لاشتماله على مثل ما فيك من الصفة - لا يفعل هذا ، فأنت لا تفعله لمكان صفتك ، ففيه نفي الفعل بنفي سببه على سبيل الكناية ، وهو آكد من قولنا : أنت لا تفعله ( 2 ) . قوله تعالى : * ( أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم ) * الاستفهام للإنكار ، والآية بيان للحجة السابقة المذكورة في قوله : ) * قل يحييها الذي أنشأها أول مرة . . . ) * إلخ ، ببيان أقرب إلى الذهن ، وذلك بتبديل إنشائهم أول مرة من خلق السماوات والأرض الذي هو أكبر من خلق الإنسان ، كما قال تعالى : * ( لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ) * ( 3 ) . فالآية في معنى قولنا : وكيف يمكن أن يقال : إن الله - الذي خلق عوالم السماوات والأرض بما فيها من سعة الخلقة البديعة ، وعجيب النظام العام المتضمن لما لا يحصى من الأنظمة الجزئية المدهشة للعقول المحيرة للألباب ، والعالم الإنساني جزء يسير منها - لا يقدر أن يخلق مثل هؤلاء الناس ؟ ! بلى وإنه خلاق عليم . والمراد بمثلهم قيل : هم وأمثالهم . وفيه : أنه مغاير لمعنى " مثل " على ما يعرف من اللغة والعرف . وقيل : المراد بمثلهم هم أنفسهم بنحو الكناية ، على حد قولهم : مثلك غني عن كذا ، أي أنت غني عنه . وفيه : أنه لو كان كناية لصح التصريح به ، لكن لا وجه لقولنا : أوليس
--> ( 1 ) السجدة : 11 . ( 2 ) تفسير الميزان : 13 / 209 ، 210 . ( 3 ) المؤمن : 57 .